عبد الكريم الخطيب
11
التفسير القرآنى للقرآن
يجئ اليوم الذي يرجع فيه إلى اللّه ، وينتهى عما نهى اللّه عنه . . أما الآخر - وقد تأول للحرام ، وأدخله مداخل الحلال - فإنه لن يجد لهذا الحرام مرارة في نفسه ، ولا وخزا في ضميره . . ومن هنا فلن تكون له إلى اللّه رجعة عن هذا المنكر ، الذي خادع به نفسه ، وخدع به عقله ، وخالف ربه ، وأفسد وجدانه ومشاعره . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » . . والمعتدون هم من يخرجون على شريعة اللّه ، بتحريم ما أحل اللّه من طيبات ، وإباحة ما حرم من خبائث ومنكرات . وقوله تعالى : « وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ » هو دعوة إلى الإقبال على الحياة ، وترك الزهد فيها ، والعزوف عنها . . فما قام الإنسان خليفة للّه على هذه الأرض ، إلا ليعمرها ، ويفتح مغالقها ، ويستخرج الطيب الكريم منها ، ثم يكون له من هذا الثمر الذي غرسه ما ينعم به ، من رزق اللّه الذي بثّه في كل مكان في هذه الدنيا . . في أرضها وسمائها ، وبحرها وجوّها . . وقوله تعالى : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » هو الميزان الذي تنضبط عليه تصرفات المؤمنين ، فيما بين أيديهم من رزق ، وفيما حصّلوه من ثمرات سعيهم وجدّهم . . فما دام معهم هذا الميزان - وهو تقوى اللّه - وما دامت تصرفاتهم قائمة على هذا الميزان ، فإنه لا جناح عليهم في أي شئ يعملونه أو يطعمونه . وفي قوله تعالى : « الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ » هو تذكير للمؤمنين ، باللّه الذي آمنوا به ، واتقوه ، وجعلوا تقواه وخشيته ملاك أمرهم فيما يأخذون أو يدعون من أمور . .